ابن عربي

38

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )

ومن المدن المنسوبة إلى معنى الإشارة وتفتح ميم بالتسليم وأخرى بهول عظيم وأخرى يحب رحيم وأخرى بالرعب العميم . . قال ويتسلسل ذلك الأمر إلى أن يظهر العلج الأصفر والطود الأصغر ويجمع الجنود على حصن النهر ويقابله ميم الصدر في السفن البحرية وعلى الخيول العربية ، فيغرق العلج وتهلك جنوده وينصر اللّه الميم وبمصداق ذلك في عقد من عقود الآية الشريفة ، وسنذكر لتقسيمها قاعدة أخرى مقيدة فيها بلاغة عظيمة إذا أتقنت بإتقان الشافي أوضحت مكنونها ويثبت مضمونها وكشفت عن وجوه حقائقها ، وذلك أن في كل عقودها جملة من الأسرار المودوعة في الحروف وفي نطق كل جملة من تلك الجمل حروف حوادث ووقائع وحركات ستظهر في آناتها محررة ، وهذه صفة التقسيم ( ا ل ف غ ، ل ب ت ، ا ل ر وم ف ي ، ا د ن ي الأ ، ر ض وه م م ن ب ع د ، غ ل ب ، ه م ، س ي غ ، ل ب ون ، ف ي ، ب ض ع ، س ن ي ف ، للّه الأمر من قبل ، ومن بعد ، ويومئذ ، يفرح ، المؤمنون ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ [ الروم : 5 ] ، هذا تقسيم مخصوص لأعداد مخصوصة بطريقة غير الأولى لمن يعيها فيأخذ من كل جملة أعداد مدة من المدد المعلومة المنصوص عليها وقد حرموا كشفها للعامة فلا قائل بالتصريح على ما جرت به العوائد للقوم ، ولقد رأينا من تصدى لاستخراج تلك المدد وتبيان وقائعها وحوادثها فأغني المبتدىء عن علاج القواعد والأحوال فتظهر له من باطن الأحرف عجائب وغرائب تنبىء عن كل شيء ، وألف في ذلك ورقات لطيفة يذكر فيها أسماء الأفراد في كل دورة من أدوار المدة المقدرة حتى حال به جواد البيان ، وقلب الأعداد إلى ما وراء المدة المقدرة وأركزه على مركز الغاية المنبه عليها بقوله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ الزمر : 68 ] . ثم إلى غاية الغاية المنبه عليها بقوله تعالى : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [ الزمر : 68 ] ، فمن وقف على سر هذه الآية الشريفة عرف الأمر على ما هو عليه ، وكشف أسرار الدورة الآدمية جليها وضغينها ووجب عليها الستر رحمة لأهل الدائة الحية ، وإلا تعطلت معايشهم بالكتم لما في إظهار ذلك من الضر ، وإذا أميط عنه حجاب الستر لأن الحجاب رحمة لأهل الدائرة الحسيّة وإلّا تعطلت أمور معايشهم وتصير أبصارهم طامحة إلى رؤيا ما لا قدرة لهم عليه ، فالكتم أفضل والستر أولى ، وأرباب الحقائق ما اصطلحوا إلّا على التنبيه بأنواع البيان وأحالوا أتباعهم على معرفة الأصول التي هي المفاتيح لا غير ، وعرفوا أن من حذا حذوهم واقتفى أثرهم يلحظ بعين بصيرته ما تضمنته تلك الأصول ، وبهذا المقتضى صارت الحكمة والمعرفة في